السيد كمال الحيدري

83

في ظلال العقيده والاخلاق

فإذا علم الله سبحانه - وعلمه أزلىّ قبل خلق الأشياء - من عبد أنّه لا يريد سوى الطاعة والعبادة والطهارة من الرجس والدنس ، فلا محالة أن يعطيه ذلك ويهيئ له جميع الأسباب كما هو مقتضى وعده وما كتبه على نفسه ، ولابدّ أن تتعلّق إرادته التكوينية بذلك ، تمكيناً للعبد من تحقيق ما يريده ، ولا يعنى هذا أىّ جبر لذلك الإنسان في تحقيق مراده ، بل يبقى العبد مختاراً مريداً ، قد استجابت المشيئة الإلهية لما اختاره وأراده . وبالعكس فيما لو علم من شخص آخر أنّه لا يريد سوى التمرّد والجحود والكفر والعصيان ، والخروج عن حبل الطاعة ، فلا يمنعه من ذلك ، بل يعطيه كلّ ما يريد تحقيقاً لرغباته ، كما أنّ الإرادة الإلهية التكوينية أيضاً تتعلّق بتلكم الأفعال ، فيصحّ أن يقال : إنّما يريد الله أن يكون فلان هكذا . . . وهذا أيضاً لا يعنى الجبر على المعصية ، بل شاء إنسانٌ باختياره هو وإرادته أن لا يستجيب لأوامر الله تعالى ، فشاءت إرادة الله تحقيق ما اختاره ذلك الإنسان . ومن ثمّ يتّضح لنا أنّ إرادة الله التكوينية التي لا تتخلّف عن المراد ، لا تتنافى مع اختيار الإنسان ، وإن كانت جميع أفعال الإنسان مخلوقة لله تعالى ، لكنّها مخلوقة وفق ما يريده الإنسان ويختاره . وهذا المعنى هو الذي ذكره « أكثر الأصحاب وعوّلوا عليه في هذا الباب ، وهو أنّ ذلك أي أخبار الطينة المتقدّمة منزّل على العلم الإلهى ، فإنّه تعالى لمّا خلق الأرواح كلّها قابلة للخير والشرّ إِنَّا هَدَيْنَاهُ